عندما أدرجت مجموعة العمل المالي الدولية لبنان على اللائحة الرمادية في تشرين الأول 2024، كان التبرير الرسمي واضحاً:
١. قصور في تقييم مخاطر غسل الأموال وتمويل الإرهاب،
٢. ضعف في آليات استرداد الأصول،
٣. وثغرات في المعلومات المتعلقة بالمستفيدين الحقيقيين من الشركات والكيانات القانونية.
وبعد هذا القرار، وافق لبنان الرسمي على خطة عمل مفصلة تمتد لسنتين (أواخر الـ 2026) بالتعاون مع مجموعة العمل المالي الولية والمعنية بمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، على أن يُعاد تقييم وضعه في نهاية عام 2026 لتحديد ما إذا كان:
- سيخرج من اللائحة الرمادية،
- أو يُطلب منه تنفيذ إجراءات إضافية،
- أو ينتقل إلى اللائحة السوداء.
ظاهرياً، تبدو الصورة بسيطة: هناك دولة تواجه ملاحظات تقنية، فتعهدت بمعالجتها خلال فترة زمنية محددة. لكن في الحالة اللبنانية، تكمن المشكلة في كلمة واحدة فقط: "لبنان".
من هو لبنان الذي تعهّد؟
في أدبيات مجموعة العمل المالي، يُستخدم مصطلح "لبنان" وكأنه كيان موحد يمتلك إرادة سياسية متماسكة، ومؤسسات متعاونة، وسلطة قادرة على فرض القرارات وتنفيذها. إلا أن الواقع اللبناني مختلف تماماً.
قبل إدراج لبنان على اللائحة الرمادية، مُنحت السلطات اللبنانية فترة سماح لمعالجة عشرات الملاحظات والإجراءات التصحيحية. ومع انتهاء تلك المهلة، لم يتم تنفيذ عدد كبير من المتطلبات، فيما بقيت متطلبات أخرى في إطار التنفيذ الجزئي فقط. وهذا وحده يكشف أن التعهدات الرسمية لم تكن كافية لترجمة الالتزامات إلى نتائج ملموسة. فإذا كان لبنان قد عجز عن تنفيذ الإجراءات المطلوبة قبل الإدراج على اللائحة الرمادية، فما الذي يجعل تنفيذ خطة أكثر تعقيداً أمراً مضموناً بعد الإدراج؟
الجواب يكمن في طبيعة النظام اللبناني نفسه.
تنفيذ خطة العمل لا يقع على عاتق جهة واحدة. فهناك:
١. السلطة التشريعية التي يفترض أن تُقر القوانين اللازمة،
٢. والسلطة القضائية التي يفترض أن تلاحق الجرائم المالية وتنفذ الأحكام،
٣. والأجهزة الرقابية والأمنية التي يفترض أن تكشف المخالفات،
٤. ومصرف لبنان الذي يملك صلاحيات تنظيمية مهمة،
٥. والمصارف التي يتوجب عليها الالتزام بالمعايير الدولية،
٦. إضافة إلى قطاعات اقتصادية واسعة تعمل اليوم خارج النظام المالي الرسمي.
بمعنى آخر، فإن تنفيذ خطة العمل يتطلب تنسيقاً فعالاً بين مؤسسات تعاني أصلاً من أزمات ثقة، وضعف في الموارد، وتضارب في المصالح، وانقسامات سياسية عميقة.
المفارقة الأكثر إثارة للانتباه أن مجموعة العمل المالي نفسها أشارت إلى عدد من نقاط الضعف البنيوية في لبنان، ومنها ضعف فعالية السلطة القضائية، واتساع الاقتصاد النقدي، وارتفاع مخاطر التدفقات المالية غير المشروعة. لكن هذه العوامل نفسها هي التي تجعل تنفيذ خطة العمل أكثر صعوبة.
فكلما توسع اقتصاد النقد، تراجعت القدرة على تتبع الأموال ومراقبة العمليات المالية. وكلما ضعفت فعالية القضاء، تراجعت القدرة على ملاحقة الجرائم المالية واسترداد الأصول. وكلما ازدادت المصالح المرتبطة باستمرار الوضع القائم، تراجعت الحوافز السياسية لإحداث تغيير حقيقي في مستوى الشفافية والمساءلة.
وهنا تظهر المفارقة القاسية: الجهات التي يُفترض أن تنفذ الإصلاحات هي نفسها الجهات التي استفادت، بدرجات متفاوتة، من بيئة ضعف الحوكمة والرقابة التي أوصلت لبنان إلى هذا الموقع أساساً.
من الناحية الإجرائية، لم يشهد اجتماع مجموعة العمل المالي الأخير تغييراً في وضع لبنان، لأن خطة العمل تمتد حتى نهاية عام 2026. ولذلك استمر لبنان على اللائحة الرمادية إلى حين اكتمال دورة التقييم المقررة.
لكن التحدي الحقيقي لا يتعلق بتاريخ المراجعة المقبلة، بل بقدرة الدولة اللبنانية على إثبات أن التزاماتها ليست مجرد تعهدات ورقية.
فمجموعة العمل المالي لا تقيس جودة القوانين فقط، بل تقيس أيضاً فعالية التنفيذ. ولا يكفي إنشاء السجلات وإصدار التعاميم وإقرار التشريعات إذا لم تؤدِ إلى نتائج عملية يمكن قياسها في مجالات التحقيقات المالية، والملاحقات القضائية، واسترداد الأصول، والحد من الاقتصاد غير الرسمي.
لذلك فإن السؤال الذي سيواجه لبنان في نهاية عام 2026 ليس ما إذا كان قد وقّع على خطة العمل، بل ما إذا كان قد نجح في تحويل التعهد السياسي إلى واقع مؤسسي.
الخلاصة أن عبارة "لبنان تعهّد" تبدو للوهلة الأولى عبارة تقنية عادية، لكنها في الحقيقة تختصر واحدة من أكبر المعضلات التي تواجه البلاد اليوم. فالتحدي لا يكمن في معرفة ما يجب فعله، لأن المطلوب معروف ومحدد منذ سنوات، بل في معرفة من يملك الإرادة والقدرة على التنفيذ.
وهنا تحديداً يكمن جوهر الامتحان اللبناني أمام مجموعة العمل المالي: ليس اختباراً للقوانين أو الإجراءات فحسب، بل اختبار لقدرة الدولة نفسها على أن تتصرف كدولة.